السيد محمد تقي المدرسي

309

من هدى القرآن

ما قيمة الإيمان الذي لا يصنع مجتمعا صالحا ، يعمر الأرض ، وينصر الضعفاء ويقاوم الطغاة والمجرمين ؟ بلى ؛ إنه سوف يواجه ضغوط القيادات المنحرفة ، والمجتمع من حوله ، ولكن ليعلم أن ما يجده مع التقوى واتباع القيادة خير مما يفوته من حطام الدنيا . يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ قيل : الكفل هو ما يشد الراكب إلى سنام الإبل ، ويتكفل بإجلاسه عليها ، ولكل فرد كفل ، فتطور المعنى والاستخدام حتى أصبحت الكلمة تعني النصيب الكامل للشخص ، والذي يتقي الله ويؤمن بالرسول ينال نصيبين وحظين ، فلا يخسر الدنيا بسبب الترهب الزائد عن حده ، كما هو حال بعض أهل الكتاب ، ولا يخسر الآخرة بسبب الالتصاق المفرط بالدنيا ، كما يستوي في ذلك الكثير من المؤمنين الذين قدم لهم الله التعريف بالدنيا والدعوة إلى الآخرة في الآيات ( 19 - 24 ) ، والكثير من الناس ، فالإسلام منهاج متوازن يريد لأتباعه الدنيا والآخرة ، [ عَنْ أَبِي الجَارُودِ قَالَ : قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام : لَقَدْ آتَى اللهُ أَهْلَ الكِتَابِ خَيْراً كَثِيراً قَالَ : ومَا ذَاكَ ؟ قُلْتُ : قَوْلُ الله تَعَالَى : الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ إِلَى قَوْلِهِ : أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا قَالَ : فَقَالَ : قَدْ آتَاكُمُ اللهُ كَمَا آتَاهُمْ ثُمَّ تَلَا : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ ] « 1 » . وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ نتيجة التقوى والإيمان بالرسول . قال البعض : أي يوم القيامة ، وهو النور المذكور في قوله : يَسْعَى نُورُهُمْ « 2 » ، ولكن ما الذي يجعل هذا النور محدودا بالآخرة ؟ أوليست حاجة الإنسان إلى النور قائمة في الدنيا أيضا ؟ قال تعالى : أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [ الأنعام : 142 ] . هكذا يبدو أن النور الذي جاء في هذه الآية وفي تلك هو البصيرة في الحياة والتي تتمثل يوم القيامة نورا ساطعا . لماذا جيء بنا إلى الحياة الدنيا ؟ وما هي أهدافنا الكبرى فيها ؟ وما هي سنن الله الحاكمة ؟ واختلاف الناس ؟ وما هو الموقف المناسب والموازين الحق ؟ وكيف نعرف بها أمورنا ؟ وعشرات من البصائر القرآنية التي يؤتيها ربنا الذين آمنوا واتقوا . وتجسد القيادة الرسالية هذه البصائر فيما تطرحه من مواقف أو تصدره من أوامر ، لذلك فهي أيضا نور للمتقين المتمسكين بها . ومع أن مصدر النور هو الوحي إلا أننا بحاجة إلى القيادة الربانية ، لأنها الأقرب إلى حقائق الوحي ، فهي المرآة الصافية التي تعكس حقائقه بصدق وأمانة ووعي ، وما أحوجنا إلى هذا النور ونحن نعيش في عالم كثرت فيه البدع ، والمذاهب الضالة ، ووسائل الإعلام والثقافة المضللة .

--> ( 1 ) الكافي : ج 1 ص 194 . ( 2 ) التفسير الكبير للرازي : ج 29 ص 247 ، الكشاف للزمخشري : ج 4 ص 482 .